محمد الغزالي
442
فقه السيرة ( الغزالي )
وعن عائشة قالت : إن كنا لننظر إلى الهلال ، ثم الهلال ، ثلاثة أهلة في شهرين ، وما أوقدت في أبيات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نار ! . فقال لها عروة بن الزبير : ما كان يعيشكم ؟ قالت : الأسودان : التمر والماء . وقالت عائشة أيضا : « لقد توفّي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وما في رفّي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رفّ لي . . » . أما الفراش الذي يأوي إليه هذا النبي صلى اللّه عليه وسلم فهو من أدم - جلد - حشوه ليف « 1 » يثوي فيه قليلا ، فما أن يستدفئ به حتى يسمع الصارخ - الديك - فينهض متأهبا لصلاة الفجر . ولا نعني بهذا الوصف أنّ الإسلام يعاف الطّيبات ، أو أن نبيّه يسنّ للناس تركها . كلا ، فشريعة الإسلام في هذا بيّنة نيّرة ، وإنّما نسرد الواقع من حياة رجل صدفت نفسه عما يقتتل الناس عليه ، إنّ الرجل قد يترك لأولاده الصغار لعبة يفرحون بها ويختصمون عليها ؛ لأنّ طبيعة رجولته في شغل عن عبث الصبية . إنّ بعض المخترعين والمفكرين يذهلون عن الطعام المهيأ لهم ، لا ازدراء له ، ولكن استغراقا فيما ملك عليهم مشاعرهم . وكأنّي أتخيل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وهو يرى سواد الناس يتفانون على الحطام الذاهب فيهز رأسه أسفا ، ويقول : « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا » « 2 » . ثم يضرع إلى اللّه : « اللهم اجعل رزق ال محمد قوتا » « 3 » . إنّ من الزراية بالعقل ، والجور الفاحش على التاريخ ، أن يجيء رجل من عرض الطريق ، فيرى أو يقال له : إنّ محمدا كان لديه نسوة عديدات . فيظنّ المسكين أنّ ذلك دلالة استكثار من الشهوات وتشبّع من الدنيا . ولا يحسبنّ أحد هذا الاخشيشان فعل من لا يجد ! وأنه لو فتحت إلى بيوت
--> ( 1 ) صحيح ، أخرجه البخاري : 11 / 245 ، عن عائشة أيضا . ( 2 ) صحيح ، أخرجه البخاري : 11 / 268 ، من حديث أبي هريرة وأنس . ( 3 ) صحيح ، أخرجه البخاري : 11 / 246 ؛ ومسلم : 8 / 217 ، واللفظ له من حديث أبي هريرة ، وليس هو تمام الحديث الذي قبله كما قد يتبادر من عبارة المؤلف ، بل كل من الحديثين مستقل عن الاخر ، ولا يدرى المتقدم منهما من المتأخر .